ابن الأثير
33
أسد الغابة ( دار الفكر )
الأصوات ولا تئوبن فيه الحرم [ ( 1 ) ] ، ولا تنثى [ ( 2 ) ] فلتأته ، معتدلين يتواصون فيه بالتقوى ، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب . قلت : كيف كانت سيرته في جلسائه ؟ قال : كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب [ ( 3 ) ] في الأسواق ، ولا فاحش ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يؤيس منه ولا يحبب فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه . وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه ، كأنما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث . من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ؛ حتى كان أصحابه يستجلبونهم فيقول : إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ [ ( 4 ) ] ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام . قال : فسألته كيف كان سكوته ؟ فقال : كان سكوت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على أربع ، على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكير ؛ فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس ، وأما تفكيره ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم والصبر ، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه ، وجمع له الحذر في أربعة : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته ، والقيام فيما هو خير لهم ، وفيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة . تفسير غريبه كان فخما مفخما : أي كان جميلا مهيبا ، مع تمام كل ما في الوجه ، من غير ضخامة ولا نقصان . والمشذب : المفرط في الطول ولا عرض له ، وأصله النخلة إذا جردت عن سعفها كانت أفحش في الطول ، يعنى أن طوله يناسب عرضه . وقوله عظيم الهامة : أي تام الرأس في تدويره . والرجل : بين القطط والسبط . والعقيصة فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي الشعر المجموع في القفا من الرأس ، يريد : إن تفرق شعره بعد ما جمعه وعقصه فرق - بتخفيف الراء - وترك كل شيء في منبته ، وقال ابن قتيبة : كان هذا أول الإسلام ثم فرق شعره بعد . والأزهر : هو الأنور الأبيض المشرق ، وجاء في الحديث الآخر : أبيض مشربا حمرة ، ولا تناقض يعنى ما ظهر منه للشمس مشرب حمرة ، وما لم يظهر فهو أزهر .
--> [ ( 1 ) ] أي : لا يذكرن بقبيح ، كان يصان مجلسه عن رفث القول . [ ( 2 ) ] الفلتات جمع فلتة ، وهي الزلة ؛ أراد أنه لم يكن لمجلسه فلتات فتذاع . [ ( 3 ) ] أي : صياح . [ ( 4 ) ] المعنى : لا يقبل الثناء عليه إلا من رجل يعرف حقيقة إسلامه ، أو : لا يقبل الثناء إلا من مقارب في مدحه غير مجاوز الحد .